محمود سالم محمد
181
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
يحدّثني زيد عن البان والحمى * أحاديث يحلو ذكرها ويطيب فقلت لزيد إنّها لبشارة * وإنّي لنشوان بها وطروب « 1 » لكن ذكر الأماكن المقدسة ظل - في الغالب - على حرمته ، لا يخرج به الشعراء عما يتركه في النفس من شجى وشوق ومشاعر سامية ، وإن امتزج بالغزل ، فالغزل يظل رمزيا . وعند اتساع المديح النبوي ، ورسوخه رسوخ فن مستقل له أصوله ومقوماته ، صار ذكر الأماكن المقدسة والتشوق إليها أصلا من أصول هذا الفن ، ومن لوازمه ، يقدم به الشعراء لقصائد مديحهم النبوية ، ويجعلونه بديلا لذكر الأطلال والديار في قصائد المديح التقليدية ، مثل افتتاح محمد بن علوان الصنعاني « 2 » لمدحة نبوية بقوله : أهدت نسيم الصّبا في طيبها خبرا * عن أهل طيبة لمّا أن سرت سحرا فاستنشق الصّبّ منها نفحة فغدا * يميل سكرا ولا واللّه ما سكرا « 3 » فالشاعر أراد استمالة سامعيه بذكر المكان المناسب لموضوعه ، وبذلك الأثر الذي يتركه في نفوس المتلقين ، وبنشوة التقوى التي يحملها النسيم من مدينة رسول اللّه ، فيتهيّأ المتلقون لسماع قصيدته ، ويدخلون في الجو القدسي الذي يلائم مقام النبي . وقدم الكارمي ( عبد اللطيف ) « 4 » لمدحته النبوية بذكر بعض المعاهد الحجازية ، ممزوجا بالغزل الرمزي ، الذي يرقّق عواطف السامع ، ويأخذه إلى عالم عابق بالتقوى والقداسة ، وهو ما يلائم موضوع القصيدة ، ويستميل القلوب ، ويشحن الوجدان بالمشاعر الدينية السامية ، فقال :
--> ( 1 ) ديوان البهاء زهير ص 10 . ( 2 ) محمد بن علي الصنعاني ، ولد بصنعاء وتحول إلى مكة وتردد إلى دمشق سنة 722 ه . الدرر الكامنة : 4 / 51 . ( 3 ) ابن حجر : الدرر الكامنة 4 / 51 . ( 4 ) عبد اللطيف بن محمد بن مسند الكارمي التاجر ، سمع وحدث وأوقف أوقافا ، توفي سنة 714 ه . الدرر الكامنة : 2 / 410 .